كلمة شيخ زاوية الهامل في برنامج بعنوان:  

كلمة شيخ زاوية الهامل في برنامج بعنوان:  " الدعاء من أجل السّلام"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله. والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه

مشيخة الزاوية القاسمية
الهامل

شيخ الزاوية القاسمية في برنامج بعنوان:
 " الدعاء من أجل السّلام"

دُعي الشيخ محمّد المأمون القاسمي إلى إلقاء كلمة في برنامج عالمي، بُثّ ليلة القدر؛ واشترك فيه نخبة من العلماء والمفكّرين، وشخصيات من طوائف دينية، في بلدان مختلفة. كما تقاسمه إخوان الطريقة العلاوية في العالم، يوم عيد الفطر، عبر تقنية التحاضر ووسائل التواصل.
        وقد استنسخت خلية الاتصال والإعلام بالزاوية كلمة الشيخ، لتُفيد بها القرّاء؛ وتتلخّص في النصّ الآتي:
" أيّها الأحبّة، حيثما كنتم في العالم، أُحييّكم بتحية الإسلام. فالسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وأحمد الله تعالى إليكم على ما وفّقنا إليه من هذا اللقاء، اّلذي يتزامن مع ليلة القدر، ليلة تنزّل الوحي، واتّصال الأرض بالسّماء، بنزول القرآن الكريم، الهادي لأقوم طريق وأهدى سبيل.
تحلّ بنا هذه الليلة المباركة، والعالم يعيش تداعيات أزمة حادّة، من جرّاء جائحة تَفشَّى وباؤها في مختلف البلدان؛ وتضرّر منها خلق كثير؛ وأصاب الناس منها كساد عظيم. جائحة نزلت بقدرة الله وحكمته؛ ويرفعها الله عن خلقه بقدرته ورحمته. يعيش الناس تداعيات هذه الأزمة، في عالم يعجّ بالمظالم والفتن؛ وتعاني كثير من شعوبه  تبعات الهيمنة والقهر. شعوب في الأرض مستضعفة، نُهبت ثرواتها، واستنزفت خيراتها؛ تعاني ثقل المديونية؛ وتعيش تحت وطأة الفقر. وشعوب أخرى يعيش معظمها حياة الترف والبذخ؛ في ظلّ حضارة وفّرت للإنسان الرفاه الماديّ، وتجاهلت المصير الأخروي. حضارة مادّية طاغية، جعلت من الإنسان آلة خاوية من معاني الإيمان والروح. تجاهلت جوهر الإنسان؛ تجاهلت روحه ووجدانه؛ بل تجاهلت فطرته التي فطره الله عليها. وعالم تهيمن عليه دول عظمى؛ وتسيطر على منظّماته الدّولية؛ وتتحكّم في مؤسّساتها الإنسانية والسّياسية؛ وتعطي نفسها حقّ التحكّم في مصائر الشعوب، في ظلّ انحسار القيم وازدواجية المعايير، وسياسة الكيل بمكيالين.
هكذا هي حال الإنسان، حين يرى نفسه قد استغنى، كما أخبر عنه القرآن:       
 {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى }العلق6/7.
وتلكم هي حال الإنسان، حين يقطع صلته بخالقه، ويُخسر الميزان: ميزان الحقّ الذي لا يشوبه باطل؛ ميزان الهدى الذي لا يغشّيه ضلال. والله تعالى يقول:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحديد/25. ويقول سبحانه: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}.الرحمن7/8/9.

حضرات السّادة والسّيدات؛
إنّ العالم اليوم يشهد انحلال الروابط الإنسانية في مجتمعاته، واختلال الموازين في العلاقات الدولية بين شعوبه. وأمام هذا الواقع المتردّي، تكرّرت دعوتنا، منذ سنين، إلى التعاون على صيانة القيم الإنسانية المشتركة، وبثّ قيم التعاون والتكامل، ليعمّ السّلام في العالم. 
ولن يتأتّى ذلك، في تقديرنا، إلاّ باعتماد منظومة قيم متوازنة، تكون قاعدة لتعاون مثمر بين شعوب العالم ودوله، على اختلاف أنظمتها، وتباين مناهجها واختياراتها. إنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى منظومة قيم متكاملة، تكون معيارا أخلاقيا، وميزانا ثابتا، يحترمها الجميع، ويلتزم بها الجميع، فيرجعون إليها، في جميع أوضاعهم؛ ويقيمون عليها علاقاتهم؛ ويقوّمون في ضوئها أعمالهم ومعاملاتهم؛ بعيدا عن النزوات والأهواء، واختلاف الأمزجة والنوازع الشخصية، وتعارض المصالح وتصادم المنافع الذاتية.
إنّها دعوة متجدّدة من أجل إصلاح مجتمعاتنا، والإسهام في إصلاح العالم من حولنا، وتقويم مساره، وإنقاذه من المظالم الّتي طغت على شعوبه، وإشاعة روح التّسامح والتضامن في مجتمعاته.
 ونداؤنا ينطلق من الإحسان، بمفهومه الشّامل الأصيل. فنحن المسلمين، نعتبر من الإحسان، الّذي هو أعلى مرتبة بعد الإسلام والإيمان، الإحسان إلى خلق الله جميعا، بصرف النظر عن اللّون أو الجنس أو العرق أو الدين فالخلق جميعا عيال الله، وأحبّ عباد الله  إلى الله أنفعهم لعياله؛ كما جاء في الحديث النبويّ الشريف.
إنّه نداء ينطلق من دعوة الإسلام إلى الرّحمة الّتي وسعت المسلمين، وغير المسلمين؛ وشملت القريب والبعيد، والكبير والصغير، والإنسان والحيوان. إنّها رحمة عامّة، ودعوة إلى خير الإنسانية. وتتجلّى هذه الرحمة، ويظهر هذا الخير في قيم التسامح، والمثل العليا، الّتي يدعو إليها الإسلام؛ ومن أبرزها الأخوّة والمساواة الإنسانية. 
إنّ الإنسان، أينما كان، بحاجة إلى البعد الروحيّ ليحقّق توازنه، وتستقيم أحواله؛ ولن يعود إليه هذا التوازن إلاّ حين يعود إلى الله، ويستقيم على عبادته وحده.
 فما أحوج البشرية إلى الهداية الربّانية، لتتحرّر من عبودية الدنيا؛ وترتقي إلى عبودية الله!.

والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل.
والحمد لله ربّ العالمين.

ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان 1441ه الموافق 20 ماي 2020م